مذكرة دعوة إلى العمل بشأن شحّ المياه والمخاطر المناخية في العراق
ثمانية ملايين شخص يواجهون مخاطر تهدد حياتهم بسبب المياه إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جريئة ومنسقة الآن
بغداد، كانون الأول– تسببت الأمطار الغزيرة خلال الأسبوعين الماضيين في حدوث فيضانات في أنحاء العراق، مما أدى إلى جرف المنازل وقطع الطرق السريعة وإزهاق الأرواح. ففي السليمانية وحدها، تم الإبلاغ عن حالتي وفاة على الأقل، مع وقوع أضرار واسعة النطاق في البلدات المجاورة. وكشفت الفيضانات عن هشاشة البنية التحتية في العراق وتزايد تعرضه للظواهر الجوية المتطرفة. ومع اشتداد تغير المناخ، من المرجح أن يشهد المستقبل مزيداً من عدم الاستقرار، بما في ذلك موجات الجفاف الشديدة والأمطار الغزيرة. ودون اتخاذ إجراءات عاجلة لبناء القدرة على الصمود، ستستمر مثل هذه الكوارث في تهديد الأرواح وسبل العيش.
يواجه العراق أزمة مياه غير مسبوقة تهدد كافة جوانب الحياة: الصحة، والأمن الغذائي، والطاقة، والاستقرار الاقتصادي. وقبل موجة الفيضانات الأخيرة، أدت سنوات متتالية من الجفاف وانخفاض هطول الأمطار وتراجع التدفقات الواصلة إلى دفع احتياطيات المياه الوطنية إلى أدنى مستوى لها منذ 80 عاماً، حيث بلغت حوالي 4 مليارات متر مكعب. وفي المحافظات الجنوبية (البصرة وذي قار وميسان والمثنى)، تكافح العائلات للعثور على مياه آمنة، مما أجبر الآلاف على النزوح. كما يتقلص نهر الغراف، الذي يعد شريان الحياة لأكثر من أربعة ملايين شخص، بشكل سريع. وفي الشمال، وصلت الخزانات الرئيسية مثل سدي الموصل ودوكان إلى مستويات منخفضة للغاية، وتم البدء بتقنين المياه في نينوى وأربيل ودهوك وكركوك والسليمانية.
لقد خلفت ندرة المياه آثاراً مدمرة على الصحة وسبل العيش والاستقرار. وحتى أيلول 2025، لا تزال 31,001 عائلة (186,006 شخصاً) نازحة بسبب العوامل المناخية، حيث انتقل 63 بالمئة منهم من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية. كما تم حظر الزراعة الصيفية والشتوية لعام 2025 في مساحات تزيد عن 4 ملايين هكتار.
ومع انخفاض مستويات الأنهار، لجأت المجتمعات إلى المياه الجوفية، إلا أن الآبار تجف بسرعة تفوق معدل تعويضها، كما تتدهور جودة المياه. ويؤدي تغير المناخ إلى تفاقم الأزمة، حيث أصبحت موجات الجفاف الشديدة، مثل تلك التي حدثت في عام 2023، أكثر عرضة للتكرار بـ 25 مرة بسبب الاحتباس الحراري العالمي. فما كان نادراً في السابق أصبح الآن أمراً معتاداً.
وقال غلام إسحق زي، نائب الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق: "يواجه ثمانية ملايين شخص مخاطر تهدد حياتهم مرتبطة بالمياه إذا لم يتم اتخاذ إجراءات جريئة ومنسقة الآن. إن تغير المناخ يحول حالات الجفاف النادرة إلى كوارث منتظمة، مما يضع أمن المياه في العراق - وصحته وزراعته واقتصاده - في خطر شديد. هذه ليست مجرد أزمة إنسانية؛ بل هي حالة طوارئ تنموية تتطلب تحركاً عاجلاً وموحداً".
ما يجب أن يحدث الآن
تتطلب أزمة المياه في العراق حلولاً شاملة تتجاوز التدابير الطارئة. وتحث فرقة العمل المعنية بالمياه التابعة للأمم المتحدة في العراق على اعتماد إطار وطني للإدارة المتكاملة للموارد المائية لتنسيق تخصيص المياه عبر القطاعات، وتعزيز أنظمة المراقبة، وفرض حدود مستدامة لاستخدام المياه الجوفية. ويجب اتباع نهج للأمن المائي حيث تدعم أحداث الفيضانات تخزين المياه للمستقبل مع استخدام أنظمة الإنذار المبكر لتجنب الكوارث. وفي الوقت نفسه، يجب على العراق تسريع الاستثمارات في الحد من فاقد المياه، ومشاريع حصاد المياه (السدود أو تغذية المياه الجوفية)، ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، وأنظمة الري الحديثة، مع تحفيز مشاركة القطاع الخاص.
ويعد التواصل الدبلوماسي رفيع المستوى مع دول الجوار (دول المنبع والمصب) أمراً ضرورياً لتأمين اتفاقيات عادلة لتقاسم المياه، مدعومة بتبادل شفاف للبيانات ومشاريع مشتركة للتكيف مع المناخ. ويجب على المانحين حشد الموارد لأنظمة الإنذار المبكر، والقدرة على الصمود في مجال المياه، ومعالجة مياه الصرف الصحي، والتكيف مع المناخ، والتعاون الإقليمي. كما يجب على جميع أصحاب المصلحة ضمان عدم مساس التدابير الفورية بالقدرة على الصمود على المدى الطويل. ويجب على المجتمع المدني والجمهور الانخراط في حملات ترشيد الاستهلاك. إن هذه الخطوات حاسمة لحماية الصحة والأمن الغذائي وإمدادات الطاقة والاستقرار الاقتصادي.
وبدون عمل جريء ومنسق، ستؤدي أزمة المياه في العراق إلى تقويض النظم الصحية والإنتاج الغذائي وإمدادات الطاقة والاستقرار الاقتصادي. إن الأمن المائي هو أمن قومي. والوقت للتحرك - معاً - هو الآن.
حول فرقة العمل المعنية بالمياه التابعة للأمم المتحدة في العراق:
تأسست فرقة العمل في عام 2023، وهي تنسق بين وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الحكومية والمانحين والشركاء لدعم أولويات المياه في العراق تحت إطار تعاون الأمم المتحدة للتنمية المستدامة (2025-2029).