موجز عن الأمطار: الهطول المطري والوضع المائي في العراق
يستعرض هذا الموجز الموسم المطري الأخير وآثاره على الأمن المائي في العراق.
شهد العراق خلال موسم الشتاء 2025–2026 هطولات مطرية أعلى من المعدلات الطبيعية، ما أسهم في تحقيق أكبر تحسن في مستويات الخزين المائي الوطني خلال السنوات الأخيرة. وكان المنتدى العربي للتوقعات المناخية قد رجّح تسجيل أمطار فوق المعدلات المعتادة خلال هذا الموسم، وهو ما تحقق إلى حد كبير على أرض الواقع. وباتت الاحتياطيات المائية المتاحة حالياً كافية لتلبية احتياجات مياه الشرب والاستخدامات المنزلية لمدة تقارب العامين.
ومع ذلك، فإن تحسن الإيرادات المائية لا يغيّر من الواقع الجغرافي للعراق ولا من الضغوط المناخية المتزايدة التي يواجهها. فمعظم أراضي البلاد تقع ضمن المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث تمثل ندرة المياه تحدياً هيكلياً طويل الأمد وليست ظاهرة موسمية مؤقتة. ورغم أهمية التحسن المسجل، فإنه لا يعوض سوى نحو ربع الخسائر المتراكمة منذ عام 2020، كما أنه لا يتجاوز خمس الطاقة التخزينية الإجمالية للمنظومة المائية. ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر وتقليص الفوائد المتحققة من الأمطار. كما أن المضي في خطط زراعة الأرز المعتمدة قد يؤدي إلى استنزاف جزء كبير من المكاسب الحالية قبل حلول الموسم المطري المقبل.
وتؤكد هذه التطورات أن التحسن الحالي يمثل فرصة مهمة، لكنه لا يكفي لمعالجة الضغوط المائية المزمنة التي يواجهها العراق. ومن ثم، ينبغي أن تظل الأولوية موجهة نحو إصلاح قطاع المياه من خلال تنويع مصادر المياه، وتعزيز الإدارة المتكاملة للموارد والخدمات المائية، وتحسين كفاءة الاستخدام، والاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز التعاون مع الدول المجاورة بشأن الأنهار والمياه الجوفية المشتركة.
ملخص
التطورات الإيجابية:
ارتفع حجم الخزين المائي الحي على المستوى الوطني من نحو 3.5 مليارات متر مكعب إلى 20 مليار متر مكعب، مسجلاً أكبر تحسن خلال السنوات الأخيرة. وأصبحت احتياجات مياه الشرب والبساتين الدائمة مؤمنة على المدى القريب.
التحديات الهيكلية ما زالت قائمة:
لا يزال الخزين المائي الحالي أقل من 20 في المائة من إجمالي الطاقة التخزينية التي تتجاوز 100 مليار متر مكعب. وقد فقد العراق نحو 56 مليار متر مكعب من موارده المائية منذ عام 2020، فيما لا يمثل التعافي الحالي سوى نحو 26 في المائة من هذه الخسائر. كما تشير التقديرات إلى أن احتمالية حدوث موجات جفاف شديدة أصبحت أعلى بـ25 مرة مقارنة بالماضي.
الأولوية في المرحلة المقبلة:
ينبغي استثمار فترة التحسن الحالية لتسريع الإصلاحات القائمة على البيانات والأدلة في قطاع المياه. كما تستدعي الطلبات الخاصة بزراعة الأرز مراجعة عاجلة نظراً لما قد تسببه من ضغوط إضافية على الموارد المائية المتاحة.
ما الذي حدث؟ ولماذا؟
لم تكن الأمطار التي شهدها العراق هذا الشتاء مفاجئة من الناحية العلمية. فقد قدّر المنتدى العربي للتوقعات المناخية احتمالاً بنسبة 50 في المائة لتسجيل أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المنطقة، مدفوعاً بظاهرة "لانينيا" الضعيفة والتذبذب العقدي السلبي للمحيط الهادئ. وقد جاءت النتائج الفعلية متوافقة إلى حد كبير مع هذه التوقعات.
أبرز التحسن في السدود والخزانات المائية
• سد الموصل (نهر دجلة): ارتفع الخزين الحي من 280 مليون متر مكعب في بداية عام 2026 إلى ما يقارب الحد الآمن الأقصى للتشغيل، مسجلاً زيادة تقارب عشرين ضعفاً. كما استؤنف إنتاج الطاقة الكهرومائية، وارتفعت التدفقات المائية الواردة من تركيا إلى نحو 2000 متر مكعب في الثانية.
• بحيرة الثرثار: استقبلت البحيرة تدفقات مستمرة عبر قناة دجلة–الثرثار تراوحت بين 1500 وأكثر من 2500 متر مكعب في الثانية. وقد وصلت إلى مستويات خزين مريحة نسبياً، ما يخفف الحاجة إلى السحب من الخزين الميت. وكانت البحيرة قد سجلت أدنى مستوى لها منذ بدء الرصد بالأقمار الصناعية في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
• بحيرة الحبانية: بعد أن انخفض خزينها إلى 555 مليون متر مكعب فقط، أي ما يعادل 17 في المائة من طاقتها التخزينية البالغة 3.3 مليارات متر مكعب، واستمرار توقفها عن تغذية نهر الفرات حتى أيلول/سبتمبر 2025، عادت البحيرة إلى العمل بفضل التدفقات القادمة من الأودية الغربية.
• سد حديثة على نهر الفرات: لا تزال مستويات الخزين فيه منخفضة نسبياً. وعلى خلاف حوض دجلة، لم يتلقَّ نهر الفرات تدفقات كافية من تركيا، ما يجعل التعافي في هذا الجزء من المنظومة المائية غير مكتمل.
• الأهوار الجنوبية: أسهمت السيول القادمة من الأحواض الشرقية المشتركة بين العراق وإيران في تعزيز الإمدادات المائية للأهوار في ذي قار وميسان والبصرة، وهي مناطق يعتمد عليها أكثر من أربعة ملايين شخص في الصيد وتربية المواشي ومصادر العيش المرتبطة بالنظم البيئية الرطبة.
ملاحظة مهمة:
أشارت توقعات المنتدى العربي للتوقعات المناخية أيضاً إلى احتمال تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية بنسبة احتمال بلغت 60 في المائة. ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر، ما يقلل من المكاسب الصافية الناتجة عن الأمطار. وبالتالي فإن أرقام الخزين المائي قد تعطي صورة أكثر تفاؤلاً من الفائدة المائية الفعلية المتحققة.
ما الذي لم تعالجه الأمطار؟
المياه الجوفية ما تزال في وضع حرج
لا تزال المياه الجوفية تعاني من استنزاف كبير في العديد من مناطق العراق. وتشير الدراسات العلمية إلى أن مستويات المياه الجوفية انخفضت بمعدلات تتراوح بين 0.7 و5.4 أمتار سنوياً منذ عام 2003، مع تسجيل أشد حالات التراجع في جنوب العراق. كما تشير التقديرات إلى فقدان نحو 144 مليار متر مكعب من المياه الجوفية في جنوب البلاد بين عامي 2003 و2009 وحدهما.
ويمثل هذا العجز الهيكلي تحدياً لا يمكن لموسم مطري واحد معالجته، نظراً للطبيعة البطيئة لإعادة تغذية الخزانات الجوفية على المدى الطويل. ورغم أن المياه الجوفية تشكل مصدراً مهماً للصمود خلال سنوات الجفاف، فإن محدودية الحوكمة وضعف البيانات واستمرار الاستخراج غير المنظم يزيد من مخاطر استنزاف هذا المورد الحيوي.
في قضاءي سنجار والبعاج بمحافظة نينوى، تمثل المياه الجوفية المصدر الوحيد للمياه. ويواجه أكثر من 75 ألف شخص في وردية وصولاغ وتل بنات وتل قصب نقصاً متزايداً في المياه مع تراجع إنتاجية الينابيع والآبار بوتيرة متسارعة. كما أدى انخفاض معدلات الأمطار بنحو 40 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء النزاع، إلى اعتماد المجتمعات المحلية بشكل شبه كامل على المياه الجوفية. وقد اضطر نحو 15 في المائة من السكان إلى النزوح بسبب شح المياه. ومن غير المرجح أن تكون أمطار هذا الموسم قد أحدثت تحسناً ملموساً في إعادة تغذية المياه الجوفية في هذه المناطق نظراً لمحدودية الهطولات المطرية في المنطقة الصحراوية الغربية.
القطاع الزراعي ما يزال تحت ضغوط كبيرة
لا تزال القيود الاستثنائية المفروضة على الزراعة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025 سارية المفعول، بما في ذلك حظر زراعة الأرز وتقليص المساحات المزروعة بالحنطة إلى النصف تقريباً، والسماح بري نحو 250 ألف هكتار فقط باستخدام الري السطحي.
وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) انخفاض إنتاج الحنطة بنسبة تتراوح بين 30 و50 في المائة، ما قد يؤدي إلى ارتفاع الحاجة إلى الاستيراد لتصل إلى نحو 2.4 مليون طن، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد الهيكلي على الواردات لتأمين أحد أهم المحاصيل الأساسية للأمن الغذائي.
الفيضانات رافقت فوائد الأمطار
ورغم المكاسب التي تحققت نتيجة الأمطار، فقد تسببت الفيضانات أيضاً في خسائر وأضرار محلية. فقد سجلت حالتا وفاة على الأقل في محافظة السليمانية خلال كانون الأول/ديسمبر 2025، كما شهدت أربيل والموصل وتكريت وديالى فيضانات مفاجئة.
وفي مخيم بزيبز للنازحين في الأنبار بتاريخ 29 آذار/مارس 2026، غمرت المياه نحو 300 خيمة وتضررت مرافق المياه والإصحاح والنظافة، ما أدى إلى نزوح مؤقت لبعض السكان. كما أدى وصول سدي دربندخان وحمرين إلى مستويات التصريف الفائض إلى انتقال مياه ملوثة من محطة الرستمية لمعالجة مياه الصرف الصحي عبر نهر ديالى إلى نهر دجلة، ما اضطر بعض محطات معالجة مياه الشرب إلى تعليق عملها مؤقتاً في المناطق المتضررة.
مخاطر على نوعية المياه
لا يزال 186,006 أشخاص نازحين بسبب عوامل مرتبطة بالمناخ، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة حتى أيلول/سبتمبر 2025. كما تؤدي الفيضانات بشكل متكرر إلى تلوث الآبار الضحلة، الأمر الذي يستدعي استمرار مراقبة جودة المياه وخدمات المياه والإصحاح والنظافة خلال الفترة المقبلة.
تزايد تقلبات المناخ
سلطت الأمطار الغزيرة التي شهدها العراق في نيسان/أبريل 2026 الضوء على التأثير المتزايد لتقلبات المناخ على المجتمعات والخدمات الأساسية. فبينما تسهم الأمطار في تعزيز الموارد المائية، فإن شدتها وتوزيعها غير المنتظم قد يؤديان أيضاً إلى زيادة مخاطر الفيضانات وارتفاع الملوحة وتعطل الخدمات.
وكان مؤشر مخاطر المناخ على الأطفال الذي أعدته اليونيسف عام 2025 قد أظهر وجود مستويات مرتفعة من الهشاشة في عدد من المحافظات، لا سيما البصرة وميسان والمثنى، في حين كانت محافظات أخرى مثل دهوك والسليمانية أقل تأثراً نسبياً.
وبالنسبة للأطفال والأسر، تنعكس هذه الفوارق بشكل مباشر على إمكانية الوصول إلى المياه الآمنة واستدامة الخدمات الأساسية.
الآثار المترتبة
المخاطر السياسية
قد يؤدي تراجع الدخول في المناطق الريفية وانخفاض الإيرادات النفطية واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي إلى تفاقم الضغوط القائمة. كما يمكن أن تتزايد حالة الاستياء العام المرتبطة بشح المياه إذا انخفضت معدلات الأمطار مجدداً خلال الموسم المقبل. وتحذر وزارة الموارد المائية من أن التوسع في زراعة الأرز خلال الصيف قد يؤدي إلى استنزاف المكاسب التي تحققت في الخزين المائي خلال هذا الموسم.
الأمن الغذائي
لا تشير المعطيات الحالية إلى وجود أزمة غذائية حادة على المستوى الوطني، إذ تكفي احتياطيات الحنطة لتغطية الاحتياجات لمدة تقارب 14.5 شهراً. إلا أن المخاطر ما تزال مرتفعة بالنسبة لصغار المزارعين والأسر النازحة خارج نظام البطاقة التموينية وسكان المحافظات الجنوبية وإقليم كردستان العراق. كما قد تؤثر التوترات الإقليمية المستمرة على توفر المواد الغذائية وأسعارها.
النزوح
قد يسهم تحسن أوضاع الأهوار والأنهار في جنوب العراق في الحد من بعض حالات النزوح المرتبطة بالمناخ في محافظات ذي قار وميسان والبصرة على المدى القريب. ومع ذلك، لا يزال أكثر من 186 ألف شخص معرضين لمخاطر الفيضانات والتغيرات المناخية. كما تستمر أزمة المياه الجوفية الحادة في سنجار والبعاج بغض النظر عن تحسن المياه السطحية، ما يعرقل جهود العودة المستدامة وإيجاد حلول دائمة.
الاتجاهات طويلة الأمد
تشير التوقعات إلى ارتفاع درجات الحرارة في العراق بما يتراوح بين 1.6 و2.4 درجة مئوية خلال الفترة 2041–2060، مع احتمال تراجع معدلات الأمطار بنحو 5 في المائة بحلول منتصف القرن. كما أن تدفقات نهري دجلة والفرات تقل حالياً بنحو 30 في المائة مقارنة بمستويات عام 1980، ومن المتوقع أن تتراجع أكثر نتيجة مشاريع السدود في أعالي الأنهار وغياب الترتيبات القانونية الشاملة بشأن تقاسم المياه العابرة للحدود.
وتشير التقديرات إلى أن احتمالية تكرار موجات الجفاف الشديدة المشابهة لما شهده العراق عام 2023 أصبحت أعلى بـ25 مرة مقارنة بالماضي.
الرسالة الرئيسية
تمثل أمطار هذا الموسم تعافياً مهماً ومتوافقاً مع التوقعات المناخية، وهو أكبر تحسن يشهده العراق في وضعه المائي منذ سنوات. ومع ذلك، فإن حجم الخزين المائي الحالي البالغ نحو 20 مليار متر مكعب لا يزال أقل من 20 في المائة من الطاقة التخزينية الإجمالية للبلاد.
لقد وفرت الأمطار فرصة ثمينة لكسب الوقت، لكنها لم تعالج التحديات الهيكلية التي يواجهها قطاع المياه في العراق. كما أن التوسع في زراعة الأرز أو العودة إلى مواسم مطرية دون المعدلات الطبيعية قد يؤديان إلى تآكل المكاسب الحالية بسرعة.
ومن ثم، ينبغي استثمار هذه الفرصة لتسريع إصلاحات حوكمة المياه، وتعزيز الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير التعاون الإقليمي بشأن الموارد المائية المشتركة، بدلاً من اعتبار الوضع الحالي مؤشراً على انتهاء الأزمة.