قصة
٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦
بناء السلام: قصص من العراق
غالباً ما يُفهم السلام على أنه غياب الصراع. لكن بالنسبة إلى كثير من الناس في العراق، يتخذ السلام أشكالاً متعددة.فهو فرصة للتعلّم والعمل وإعالة الأسرة. وهو وجود مكان آمن يشعر فيه الإنسان بالانتماء. ويتجسّد السلام عندما يتعافى الناس من الشدائد، ويعيدون التواصل مع الآخرين، ويبدأون في التطلع إلى المستقبل بثقة.بالنسبة إلى عدنان، ترسّخ السلام في بيت زراعي محمي. أما حسناء، فكان يعني وصول المياه إلى حقلها من جديد. وبالنسبة إلى رنا، فقد بدأ بالعودة إلى مقاعد الدراسة.في مختلف أنحاء العراق، يعمل الناس كل يوم على بناء السلام بدعم من الأمم المتحدة. ومن خلال الجمع بين الخبرات المتنوعة لمختلف الوكالات، تعمل الأمم المتحدة في العراق على إرساء أسس التنمية المستدامة على المدى الطويل، حتى في ظل استمرار البلاد في التعامل مع الجراح العميقة التي خلّفها الصراع. وقد تبدو أعمال إعادة الإعمار وإعادة بناء الروابط اليومية صغيرة، لكنها تشكّل الأساس الذي يمكن أن ينمو عليه سلام دائم. السلام من خلال التعليم والإدماجيمكن للتعليم أن يفتح أبواباً أغلقتها الصراعات والنزوح. ويساعد الإدماج الناس على عبور تلك الأبواب وأخذ مكانهم في المجتمعات المحيطة بهم.في الفلوجة، تجد رنا طريقها للعودة إلى المدرسة.بعد انقطاعها عن التعليم لأكثر من عامين، عادت رنا إلى ديارها وهي تحمل ذكريات النزوح والفقدان العميق وحالة عدم اليقين التي خلّفتها طفولة انقطع مسارها. وفي مركز مجتمعي تديره الحكومة في الفلوجة ويحظى بدعم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، وجدت مكاناً آمناً لتبدأ من جديد.ومن خلال التدخلات التي تدعمها اليونيسف، يقدّم المركز فصولاً للتعلّم المسرّع، ودعماً نفسياً اجتماعياً، ومساعدة قانونية لمساعدة الأطفال الذين اضطروا إلى النزوح على الحصول على الوثائق المدنية، إلى جانب توفير مساحة تتيح لطلاب مثل رنا التعلّم واللعب واستعادة ثقتهم بأنفسهم تدريجياً.أما بالنسبة إلى زينب، فقد أصبح التعليم جسراً يربط بين المجتمعات.زينب لاجئة سورية نشأت في مخيم دوميز 1. وقد تفوقت في دراستها، لكنها واجهت عائقاً مالياً حال دون مواصلة تعليمها. ومكّنتها منحة دراسية في إطار مبادرة ألبرت أينشتاين الأكاديمية الألمانية للاجئين (DAFI)، مقدمة من مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، من دراسة العلوم السياسية في جامعة دهوك، حيث تخرجت في صدارة دفعتها.ودرست زينب إلى جانب طلاب عراقيين. وتقول: «لم أشعر يوماً بأنني مختلفة».واليوم، تطمح زينب إلى توظيف تعليمها لتعزيز الروابط بين مجتمعات اللاجئين والمجتمعات المضيفة. فما بدأ كفرصة لطالبة واحدة تحوّل إلى فرصة للإسهام والمشاركة والمساعدة في توثيق الروابط بين المجتمعات.وتذكّرنا هذه القصص بأن التعليم والإدماج عنصران أساسيان في دورة بناء السلام: فالتعليم والشعور بالانتماء يؤديان إلى الاستقرار، الذي يفتح بدوره الأبواب أمام الاستثمار في التعليم والتماسك الاجتماعي.التسمية التوضيحية: يمكن للتعليم أن يفتح أبواباً أغلقتها الصراعات والنزوح. ويساعد الإدماج الناس على عبور تلك الأبواب وأخذ مكانهم في المجتمعات المحيطة بهم.الصورة: © UNICEF/UNI513813/Jalal السلام من خلال ريادة الأعمال والعمل اللائقيمكن للتعليم أن يوسّع الآفاق. لكن الناس يحتاجون أيضاً إلى فرص تمكّنهم من تحويل مهاراتهم وأفكارهم وعملهم الجاد إلى مصدر للرزق. فالمهارة يمكن أن تصبح مصدراً للدخل، والدخل يمكن أن يصبح سبيلاً إلى الاستقلال.في نينوى، التقى ياسين وطه خلال دورة تدريبية في تركيب كاميرات المراقبة وصيانتها في مركز الموصل للتدريب المهني. وبدعم مالي من الوكالة الكورية للتعاون الدولي، تدعم منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المركز من خلال الإشراف على التدريب، وإنشاء مساحات للورش وبنى تحتية للتعلّم، والمساهمة في إعداد المناهج الدراسية، وربط المشاركين بأصحاب العمل.وقبل أن يكملا الدورة التدريبية، قرر ياسين وطه تأسيس مشروع تجاري معاً.عملا إلى جانب شركة قائمة، فاكتسبا الخبرة بالتوازي مع بناء قاعدة عملائهما الخاصة. ثم روّجا لخدماتهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونجحا تدريجياً في كسب ثقة العملاء من خلال العمل الموثوق والمهنية والأسعار التنافسية.واليوم، يتجاوز طموحهما مجرد العثور على وظيفة. فهما يريدان توسيع مشروعهما، وافتتاح متجر، وإعالة أسرتيهما.التسمية التوضيحية: لا يقتصر الاستقرار على إعادة بناء البنية التحتية أو استعادة الخدمات، بل يتعلق أيضاً بإحداث تحول في حياة الناس، وتعزيز العلاقات، وتهيئة الظروف التي تمكّن المجتمعات من المضي قدماً.الصورة: © UN Iraqوبالمثل، يتطلع عدنان محمد، في مخيم دوميز للاجئين، إلى مستقبل جديد من خلال عمله.عدنان لاجئ سوري ومزارع، استطاع بناء مصدر رزقه من خلال زراعة الخضروات في بيت زراعي محمي. ومع ارتفاع أسعار الأسمدة والتكاليف الزراعية، وما ترتب على ذلك من صعوبات في الزراعة، تكيّف مع الوضع باستخدام الأسمدة العضوية المنتجة محلياً والأساليب التقليدية لمكافحة الآفات.وقد ساهم مشروع «JOBS»، المموّل من الاتحاد الأوروبي والمنفّذ من قبل مركز التجارة الدولية (ITC)، في دعم عمله. وتمكّن عدنان من الحفاظ على بيته الزراعي المحمي، واقتناء آلات صغيرة، وتحسين ممارساته الزراعية، ما ساعده على تلبية متطلبات المشترين وزيادة قيمة منتجاته.وينسّق مركز التجارة الدولية التدريب الميداني، وتبادل المعارف بين المزارعين، وربطهم بأسواق التجزئة والمشترين في محافظات أخرى.ويقول عدنان: «عندما يجتمع المزارعون، يأتي كل واحد منهم بخبرته الخاصة. نتعلّم من بعضنا بعضاً، ونتبادل ما نعرفه، ونتخذ قرارات أفضل».وفي الفلوجة بمحافظة الأنبار، يتجسّد السلام في عودة المياه إلى حقل مزارعة من جديد. فقد نزحت حسناء سهيل بسبب الصراع في عام 2014، وعادت إلى ديارها من دون أي شيء، فلجأت إلى الزراعة لتبدأ حياتها من جديد.ومن خلال دعم نظم الري الحديثة الذي يقدمه برنامج الأغذية العالمي، أصبحت تزرع القمح والبرسيم والخضروات، كما أنشأت مزرعة لتربية الأسماك توفر الغذاء لأسرتها ومجتمعها المحلي. وفي مكان قريب، أعاد خضير علي جردي إحياء البستان الذي فقده بسبب الحرب، بعد أن أدت إعادة تأهيل القناة إلى عودة مياه الري إليه، فيما يساعده التدريب على إنتاج السماد العضوي الآن على تحسين خصوبة تربته وزيادة إنتاجه.وعلى الرغم من تنفيذ هذه التدخلات قبل أكثر من ثلاث سنوات، فإنها لا تزال تدعم سبل عيش آلاف الأسر، في دليل على أن الاستثمار في السلام يحقق ثماره لسنوات قادمة.التسمية التوضيحية: يمكن للتعليم أن يوسّع الآفاق. لكن الناس يحتاجون أيضاً إلى فرص تمكّنهم من تحويل مهاراتهم وأفكارهم وعملهم الجاد إلى مصدر للرزق.الصورة: © UN Iraq السلام من خلال الحماية والمصالحةيعتمد استدامة السلام على المدى الطويل على الأمن والحماية. وفي بغداد، يساعد مأوى للنساء على توفير مساحات آمنة للنساء والفتيات العراقيات.وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، يوفر المأوى الحماية إلى جانب برامج التعلّم المسرّع وتنمية المهارات في مجالات مثل التطريز والرسم والحِرف اليدوية. ولا يقتصر ذلك على توفير مصدر دخل للنساء فحسب، بل يسهم أيضاً في استعادة الأمل والشعور بالحياة الطبيعية من خلال الفن.وإلى جانب الحماية، لا بد أيضاً من إعطاء الأولوية لمسارات المصالحة.خلال زيارة إلى مخيم الجدعة، أعرب أحد قادة المجتمع المحلي من القائم عن معارضته لعودة الأسر التي كانت تعيش سابقاً في ظل احتلال تنظيم داعش. وظلت ذكريات الصراع مؤلمة بالنسبة إليه، إذ كان يشتبه في مشاركة تلك الأسر في الجرائم التي ارتُكبت خلال الصراع. ثم دُعيت شقيقته إلى الغرفة. وكان الصراع قد فرّق بينهما لمدة سبع سنوات. وعندما رأى أحدهما الآخر، تعانقا.وبدأ القائد يدرك أن بعض النساء والأطفال في المخيم عانوا بدورهم من الفقدان والنزوح. وبعد عودته إلى قريته، شجّع شيوخ العشائر وقادة المجتمع المحلي على النظر في عودة النساء والأطفال الذين لم يكونوا مسؤولين عن ارتكاب جرائم.لم يمحُ لقاء واحد سنوات من الألم، لكنه غيّر الطريقة التي ينظر بها شخص إلى آخر، وأسهم في تعزيز المصالح بناء السلام معاًتستند هذه القصص إلى أساس مشترك. فالاستقرار لا يقتصر على إعادة بناء البنية التحتية أو استعادة الخدمات، بل يتعلق أيضاً بإحداث تحول في حياة الناس، وتعزيز العلاقات، وتهيئة الظروف التي تمكّن المجتمعات من المضي قدماً.يبدأ بناء السلام بالناس. وفي كل يوم، وفي مختلف أنحاء العراق، يمكن رؤية ذلك في مصدر رزق يبدأ بالنمو، أو طفل يعود إلى المدرسة، أو مياه تعود لتتدفق إلى حقل.