قصة
١٥ يناير ٢٠٢٦
أهوار بلاد الرافدين: موقع تراث عالمي على حافة الخطر
في قلب جنوب العراق، تمتد منطقة لطالما وُصفت بأنها “جنة عدن”. تشكّل أهوار بلاد الرافدين– أحد أكبر أنظمة الدلتا الداخلية في العالم، ومعجزة بيئية في منطقة يغلب عليها الجفاف. تُؤوي هذه الأهوار أنواعًا مهددة بالانقراض، ومحطة أساسية للطيور المهاجرة، وحاضنة لإرث حيّ لأهالي الأهوار، الذين تعود جذور ثقافتهم إلى الحضارات السومرية القديمة.وفي عام 2016، اعترفت منظمة اليونسكو بهذا المزيج الاستثنائي بين التنوع البيولوجي والحضارة الإنسانية، بإدراج الأهوار على قائمة التراث العالمي.اليوم، يواجه هذا الإرث خطر التلاشي.فعلى الرغم من الاعتراف الدولي والالتزامات الوطنية، تستمر الأهوار في التقلصنتيجة مجموعة من العوامل البيئية والمناخية. فقد اضطر مربو الجاموس – الذين شكّلوا لعقود العمود الفقري لاقتصاد الأهوار – إلى بيع قطعانهم أو التحول إلى تربية الأبقار التي تتطلب كميات أقل من المياه. ولا يقتصر الأمر على تدهور بيئيفحسب، بل يمتد ليطال أنماط حياة متجذرة وثقافة متوارثة. فبعض العائلات التي أعادت بناء حياتها بعد سنوات طويلة من التحديات تجد نفسها مضطرة للنزوح مرة أخرى. فيما يغادر صيادون مهنتهم التقليدية، وتفقد حرفيات القصب والبردي المواد التي قامت عليها صناعاتهن اليدوية. إن الحفاظ على روح بلاد الرافدين بات تحديًا ملحًا. تحديات تُقاس بالخسائر في سبل العيش والثقافةيضع التقييم التشاركي للنظم البيئية، الذي قاده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2023، أرقامًا واضحة أمام واقع يتطلب اهتمامًا عاجلًا:انخفضت أعداد الجاموس بأكثر من 76 في المائة، مع تراجع حاد في إنتاج الحليب وارتفاع أسعارهما أثر على قدرة العديد من الأسر على الاستمرار في هذا النشاط.تراجع قطاع الصيد، وهو مصدر الرزق الرئيسي لأكثر من 40 في المائة من سكان الأهوار، من نحو 80 طنًا يوميًا إلى مستويات شبه معدومة، نتيجة شح المياه والصيد غير المنظم وتحديات بيئية أخرى.تواجه أنظمة المياه ضغوطًا كبيرة، ، إذ إن أكثر من 86 في المائة من محطات التحلية غير كافية، ونحو 40 في المائة منها متوقف عن العمل، ما يضطر الأسر إلى شراء المياه من الصهاريج بتكلفة مرتفعة.تتسارع وتيرة الهجرة؛ فمنذ عام 2018، نزح أكثر من 170 ألف شخص، وغادر ما يقرب من نصف سكان الأهوار مناطقهم بحثًا عن فرص أفضل ، بينما غادر 7.5 في المائة البلاد.تتأثر النساء بشكل خاص بفقدان الأدوار الاقتصادية التقليدية ، ما يضعف قدرة الأسر على الصمود ويعمّق فجوات عدم المساواة ويؤثر على التماسك الاجتماعي.ولا تقتصر آثار هذه الخسائر على حدود الأهوار، بل تمتد لتؤثر على الأمن الغذائي، واستقرار المجتمعات، والاقتصادات المحلية، والتقدم نحو أهداف التنمية الوطنية. فالأهوار ليست قضية بيئية فحسب ، بل ركيزة أساسية للهوية البيئية والثقافية والاقتصادية للعراق. جهود متواصلة… والحاجة إلى توسيع نطاقهايبذل العراق وشركاؤه جهودًا مهمة لوقف هذا التدهور. يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على تنفيذ خطة العراق للاستثمار المناخي من خلال استعادة الأهوار ودعم التكيف المجتمعي في ست محافظات، من بينها الجبايش. وتواصل المنظمة الدولية للهجرة توثيق النزوح المرتبط بالمناخ ودعم مبادرات الصمود، مثل إنشاء الأراضي الرطبة. كما تستثمر منظمة الأغذية والزراعة بالتعاون مع الصندوق الأخضر للمناخ 39 مليون دولار في الزراعة المستدامة والطاقة المتجددة، بينما يدعم برنامج الأغذية العالمي حلولًا طبيعية عالية الأثر، مثل استعادة غابات القرم في البصرة ذات الإمكانات الكبيرة في احتجاز الكربون.وتساند اليونسكو التعاون العابر للحدود في مجال المياه، والإصلاحات القانونية، وحماية البيئة، وهي جهود أسهمت بالفعل في وقف أنشطة استكشاف النفط في أجزاء من الأهوار. كما تقوم الجهات الوطنية المختصة، ومنها وزارتا البيئة والموارد المائية، بتحديث الدراسة الاستراتيجية للمياه والأراضي لتعزيز تخصيص المياه، والرصد، والضمانات البيئية.هذه المبادرات جديرة بالتقدير، غير أن حجم التحديات يتطلب توسيع نطاق الجهود وتسريع وتيرتها. فإدراج الأهوار على قائمة التراث العالمي لم يكن غاية بحد ذاته، بل مسؤولية والتزامًا جماعيًا بالحفاظ عليها للأجيال القادمة. الطريق إلى الأمام: من الاعتراف إلى الاستعادةأولًا: تأمين المياه للأهوار وإدارتها بشكل مستدام
تعزيز حوكمة المياه على مستوى الأحواض، وتقليل الفاقد في جميع القطاعات، والحد من التلوث، وتوسيع معالجة مياه الصرف. فلا يمكن تحقيق الاستعادة دون تدفقات مائية نظيفة ومستقرة.ثانيًا: بناء سبل عيش متنوعة وقادرة على الصمود في وجه تغير المناخ
دعم مربّي الجاموس عبر أنظمة أعلاف مستدامة، وتوسيع الاستزراع السمكي، وحصاد القصب، والحرف اليدوية، والسياحة البيئية بما يعزز الاستقرار الاقتصادي للمجتمعات المحلية.ثالثًا: تمكين المجتمعات من خلال البيانات والمشاركة والبنية التحتية الذكية مناخيًا
تطوير أنظمة رصد فعّالة، وتعزيز نظم الإنذار المبكر، وضمان مشاركة مجتمعية شاملة في صنع القرار ، لا سيما للنساء والشباب. فالاستعادة لا تنجح إلا عندما تقودها المجتمعات نفسها.
حان وقت العمل الآن هذه الأفكار ليست جديدة. فقد جرى بحثها ومناقشتها وتوثيقها على مدى سنوات. وقد اتخذ العراق خطوات مهمة، بدءًا من انضمامه إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه، وصولًا إلى تعزيز شراكات وخطط رئيسية في مجالي المناخ والتنمية. أن الحفاظ على الأهوار يتطلب الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ على نطاق أوسع.فالأهوار بحاجة إلى استثمارات مستدامة، وحماية فعالة، وقرارات استراتيجية تعكس أهميتها التاريخية والبيئية، والتزامًا وطنيًا يجعل من استعادتها إرثًا للأجيال القادمة.لا تستطيع أهوار بلاد الرافدين الانتظار.فمن دون تحرك جماعي، قد نخسر ليس فقط نظامًا بيئيًا فريدًا، بل جزءًا حيًا من التراث الثقافي والإنساني الذي شكّل مهد الحضارة.إنها لحظة الاختيار بين الاستعادة والبناء للمستقبل، أو فقدان إرث لا يُعوّض.
تعزيز حوكمة المياه على مستوى الأحواض، وتقليل الفاقد في جميع القطاعات، والحد من التلوث، وتوسيع معالجة مياه الصرف. فلا يمكن تحقيق الاستعادة دون تدفقات مائية نظيفة ومستقرة.ثانيًا: بناء سبل عيش متنوعة وقادرة على الصمود في وجه تغير المناخ
دعم مربّي الجاموس عبر أنظمة أعلاف مستدامة، وتوسيع الاستزراع السمكي، وحصاد القصب، والحرف اليدوية، والسياحة البيئية بما يعزز الاستقرار الاقتصادي للمجتمعات المحلية.ثالثًا: تمكين المجتمعات من خلال البيانات والمشاركة والبنية التحتية الذكية مناخيًا
تطوير أنظمة رصد فعّالة، وتعزيز نظم الإنذار المبكر، وضمان مشاركة مجتمعية شاملة في صنع القرار ، لا سيما للنساء والشباب. فالاستعادة لا تنجح إلا عندما تقودها المجتمعات نفسها.
حان وقت العمل الآن هذه الأفكار ليست جديدة. فقد جرى بحثها ومناقشتها وتوثيقها على مدى سنوات. وقد اتخذ العراق خطوات مهمة، بدءًا من انضمامه إلى اتفاقية الأمم المتحدة للمياه، وصولًا إلى تعزيز شراكات وخطط رئيسية في مجالي المناخ والتنمية. أن الحفاظ على الأهوار يتطلب الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ على نطاق أوسع.فالأهوار بحاجة إلى استثمارات مستدامة، وحماية فعالة، وقرارات استراتيجية تعكس أهميتها التاريخية والبيئية، والتزامًا وطنيًا يجعل من استعادتها إرثًا للأجيال القادمة.لا تستطيع أهوار بلاد الرافدين الانتظار.فمن دون تحرك جماعي، قد نخسر ليس فقط نظامًا بيئيًا فريدًا، بل جزءًا حيًا من التراث الثقافي والإنساني الذي شكّل مهد الحضارة.إنها لحظة الاختيار بين الاستعادة والبناء للمستقبل، أو فقدان إرث لا يُعوّض.