قصة
٠٩ يناير ٢٠٢٦
من الاستقرار إلى الاستدامة: انتقال دور الأمم المتحدة في العراق
هذا المقال بقلم المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في العراق، السيد غلام إسحق زي. أعمل في العراق في مرحلة مهمة تمر بها البلاد، وكذلك دور الأمم المتحدة فيها. وبصفتي المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية، شهدتُ عن كثب كيف أسهمت التطورات على أرض الواقع في إعادة تشكيل أولويات العراق، وما يستدعيه ذلك من تكيف لدور الأمم المتحدة لضمان بقائها شريكًا فاعلًا وذا صلة.بعد عقود من النزاعات، يشهد العراق اليوم تقدمًا ملموسًا. فقد أسهم تحسن الوضع الأمني في عودة ما يقرب من خمسة ملايين نازح داخليًا إلى مناطقهم الأصلية. كما بدأ النشاط الاقتصادي بالتعافي، واستعادت مؤسسات الدولة ثقة متزايدة، وعاد العراق للانخراط إقليميًا مع محيطه. ورغم أن هذه المكاسب لا تزال عرضة للتحديات، إلا أنها حقيقية، وتتطلب نمطًا مختلفًا من الشراكة الدولية.نحو تنمية مستدامة في العراقهذا التقدم ينعكس أيضًا على طبيعة دور الأمم المتحدة. ومع تراجع احتياجات الأغاثة الإنسانية، واختتام ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في عام 2025، تنتقل الأمم المتحدة من نموذج قائم على المهام إلى شراكة إنمائية تركز على الأولويات الوطنية. وقد تطلب هذا التحول تخطيطًا متدرجًا، وبناءً للثقة، وتنسيقًا وثيقًا مع حكومة العراق، وداخل منظومة الأمم المتحدة، بما يضمن تقليص المساعدات الإنسانية بشكل مسؤول، مع الحفاظ على استمرارية الدعم في المجالات التي التي تمس حياة الناس بشكل مباشر.ونتيجة لذلك، بات فريق الأمم المتحدة يعمل بصورة متزايدة كمنظومة واحدة متكاملة. فقد تم توحيد العمل الإنساني، والتعاون الإنمائي، وبناء السلام ضمن رؤية مشتركة، تستند إلى إطار التعاون الإنمائي المستدام للأمم المتحدة. ويحدد هذا الإطار، الذي تم توقيعه مؤخرًا، أولويات واضحة تشمل تنويع الاقتصاد، والحماية الاجتماعية، والقدرة على الصمود أمام تحديات المناخ والمياه، والحوكمة، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون.ويشكل دور المنسق المقيم عنصرًا محوريًا في هذا التحول، إذ يربط بين المسارات الإنسانية والإنمائية وبناء السلام، بما يضمن تنسيقًا سلسًا واستمرارية في العمل، ويعزز قيادة الجهات الوطنية، ويضمن تنسيق الجهود على نحو متكامل خلال الفترات الانتقالية. معًا من أجل أثر مستداميشكل التمويل عنصرًا أساسيًا في هذا التحول. ومع تجاوز العراق لمرحلة الاعتماد على أنماط المساعدات التقليدية، مع التركيز على مصادر تمويل مستدامة تضمن استمرارية الجهود ، من خلال تعزيز الشراكات مع المؤسسات المالية الدولية، وبنوك التنمية، والقطاع الخاص. ويعكس انفتاح الحكومة على آليات التمويل المشترك في إطار التعاون الإنمائي ثقة متزايدة بفريق أممي أكثر تنسيقًا ومساءلة.وقد بدأت ثمار هذا النهج المتكامل بالظهور. ففي مجال الحماية الاجتماعية، تعمل الوكالات الأممية خلف استراتيجية وطنية واحدة تقودها الحكومة. وفي العمل المناخي، توفر منصة استشارية مشتركة إطارًا يجمع الحكومة والأمم المتحدة والمانحين لدعم التزامات العراق المناخية. أما في القضايا الحساسة، مثل الحلول المستدامة للنزوح وعودة المواطنين من مخيم الهول، فقد انتقل العمل من مبادرات متفرقة إلى نهج وطني موحد ضمن إطار “أمم متحدة واحدة”.ويتطور دور الأمم المتحدة ليتركز بشكل أكبر على تقديم المشورة السياساتية عالية الجودة والدعم الفني، بدلًا من نماذج تقديم الخدمات التي سادت على مدى عقدين، بما يسهم في ترسيخ المكاسب المتحققة. وفي الوقت ذاته، أسهم تعزيز التكامل داخل منظومة الأمم المتحدة في تحقيق وفورات تشغيلية تُقدَّر بنحو 10 ملايين دولار خلال السنوات الماضية، وهي موارد ذات أهمية في ظل التحديات العالمية الراهنة، ويمكن إعادة توجيهها لدعم جهود التنمية.وتتطلب هذه المرحلة التعامل مع عدد من التحديات، بما في ذلك تقلبات التمويل وتفاوت القدرات، من خلال شراكات فاعلة. غير أن هذا التحول يبرهن على ما يمكن تحقيقه عندما تقود الإصلاحات قيادة واعية، قائمة على الثقة والهدف المشترك. وفي هذه اللحظة المفصلية من مسيرة العراق، تعمل الأمم المتحدة على تكييف دورها بما يواكب الأولويات الوطنية ويدعم مسار الاستدامة.Caption: Improved coherence amongst the UN, Government and partners is already delivering results in social protection, climate action and security challenges.Photo: © UN Iraq